شرب الخمر ، فسَكِر ، فضر أمه ..
فلما أفاق من سكره وعاد إليه عقله ، قال وهو يتجرع غصص الندم : ليت يدي بُتِرت قبل أن تمتد إليها .. ليتها شُلَّت .. وليتني متُّ قبل أن أفعل هذا ... لا .. لن أغفر لنفسي أبداً .. كل هذه الانفعالات العنيفة ، والأحاسيس الجياشة ، هزت مشاعره هزاً ، واقتلعت قلبه من جذوره ، في محاولة يائسة لإيقاظ ضميره المتحجر بعد أن تبلد عقله وتوقف تماماً عن التمييز ...
لقد ذهبت الخمر بعقله ، وجعلته أسيراً لها حتى إنه لم يستطع التفريق بين صديقه ، وعدوه .. . بين من يحبه ، وبين من يكرهه ، وها هي ذي يده تمتد بكل وقاحة لتصفع أعز إنسان لديه .. أمه .. ينبوع الحنان !.
ولماذا ؟! .
ألا إنها كانت تريد له الخير ، وتنصحه بالإقلاع عما حرم الله ، وتجنب رفقاء السوء ، والالتفات إلى مستقبله ؟ .. أم لأنها كانت تدعو له بالهداية ، وترجو له أن يثوب إلى رشده ، وينتبه لنفسه وعائلته ؟ .
لم يتمالك نفسه من هول الموقف ، فاغرورقت عيناه بالدموع وأخذ يجهش بالبكاء .. وتوجه نحو والدته التي كانت تبكي وترثي لحالها وحاله .. وارتمى على صدرها كالطفل ، وأخذ يبكي ويصرخ ، وهي تهدئ من روعه ، وتدعو الله أن يتوب عليه ويغفر له ..
وبدأ صوته يخفت شيئاً فشيئاً ... حتى سكت تماماً ..
فقالت له : قم يا بني ، واغسل وجهك ، وتوضأ وصلِّ ، وتضرع إلى الله ، واسأله أن يغفر لك وأن يسامحك على ما اقترفته من ذنب في حق نفسك وحق والدتك .. ولكنه لم يُحر جواباً ولم يتحرك أبداً ... ي
فحركته وهزته ..فإذا هو بارد كالثلج ... فقد لفظ أنفاسه الأخيرة في حجر أمه ..